الشارع والأطفال في السينما العربية
The Street and Children in Arab Cinema
خلال الفصل الدراسي، بعض أهم الشخصيات في أفلامنا العربية كانوا أطفالا. وهذا جعلني أفكر في دور الطفل في السينما العربية، ولاسيما فيما يتعلق بالمفهوم الشائع أن الطفل هو بالضرورة شخص بريء. فقد صدمتني المشاهد في فيلم “علي زاوا” أو فيلم “بيروت الغربية” والتي يستخدم فيها الأطفال كلمات بذيئة كأنهم بالغون! وبدأت أن أدرك أن براءة الطفل تعتمد على الموارد الاقتصادية والحماية من أسرة الطفل. إذا ولد الطفل في عائلة غنية، من ثم هو يستحق الرعاية والاحترام. ولكن إذا ولد الطفل في عائلة فقيرة، فهو ليس بريء ويستحق حياة في الشوارع، وذلك بحسب سلوك المجتمع تجاه الأطفال في الشرق الأوسط وأيضا في الولايات المتحدة. وستبحث هذه الورقة عن الإجابة للأسئلة التالية: أي أطفال في أفلامنا العربية يكونون في الشوارع؟ ولماذا؟ فمن المعروف أن المشردين من الطبقة الدنيا يرغبون في منازل مستقرة، ولكن لماذا يشتهى الأطفال من الطبقة المتوسطة أن يكونوا في الشوارع كذلك؟ وسوف تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على هذه الرغبة، ولاسيما بالتركيز على علي من فيلم “علي زاوا” وطارق من فيلم “بيروت الغربية” ووجدة من فيلم “وجدة.”
من الجدير بالذكر أن أغلبية الأطفال في السينما العربية والعالم العربي طبعا ليسوا مشردين. فاخترت أن أبحث في قضية الأطفال المهمشين والمظلومين في المجتمع. ويجب ألا يغيب عن بالنا أن عدد من الأفلام العربية تعزز الفكرة المنتشرة عن براءة الطفل. فالفيلم اللبناني “وهلأ لوين؟” هو مثال ممتاز على هذا حيث يرمز الولد الصغير الذي يسير بالعكاز إلى فكرة براءة الطفل. فعمره يستثنيه من النزاع الطائفي في قريته بين المسلمين والمسيحيين ويضعه خارج الصراع وتجعله إصاباته هشا جدا. وعندما يهاجم البالغ المسيحي الولد الصغير بعد مراسم التعميد بالدم، ترد والدة الولد على بطرس وتقول: “أنت رجل أنت؟ بتجرح ولد صغير؟! يا عيب الشوم.” وفقا للتقاليد الاجتماعية، الولد بريء ولذلك العنف ضده غير وارد، حتى إذا كانت هناك حرب طائفية على وشك الحدوث. ولكن جزء لا يتجزأ من المشهد هو حضور الوالدة المسلمة وحماية النساء المسيحيين للوالد لأن بدونهن لا أحد سوف يحمي فكرة براءته وسرعان ما قد يعتدي عليه أحد. ومن الحتمي على الولد أن يكافح من أجل البقاء بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك وسائل البالغين. وعلي من فيلم “علي زاوا” مثال جيد على طفل بدون والدته ويعيش في الشارع. ولذا فإنني سوف أقدم شخصية علي وبعد ذلك سأقارن طارق ووجدة بموقف علي على أمل أن نفهم سر إغراء الشارع لهم.
“علي زاوا” فيلم مغربي روائي ودرامي من سنة ٢٠٠٠ وفيه يمزج المخرج نبيل عيوش الواقع القاسي في شوارع الدار البيضاء بالخيال والسحر. وعلى رغم من أن في بداية الفيلم يعبر علي للصحافية أنه غادر بيته لأن والدته حاولت أن تقتلع عينيه من وجهه، وهذا الادعاء ليس صحيح. ومقالة “ظاهرة مقلقة – أطفال الشوارع في المغرب” للمؤلف عبد الواحد أستيتو هي مرجع مفيد لكي نحلل العوامل في حياة علي التي دفعته أن يعيش في الشارع بدلا من بيته. والأسباب التالية من المقالة كانت ذو صلة لعلي: فقر أسرته، والإنقطاع عن دراسته، ووالداه ليسا مطلقان، لكن لا يعرف والده أبدا. وفي نهاية المطاف، يكشف الفيلم أن الحافز الرئيسي وراء قراره للعيش في الشوارع كان شعوره بالعار من شغل والدته. (في اللغة المغربية والدة علي “قحبة”.) وهرب من بيته حتى يحقق حلمه بأن يصبح بحار في ميناء الدار البيضاء، ولكن هذا الحلم محكوم عليه بالفشل لأن عصابته السابقة تقتله عندما يحاول أن يهجرها.
وخلال محاولات أصدقاء علي لدفنه، يصور الفيلم أن هؤلاء الأطفال ضحايا المجتمع لأن مشاكل الكبار التي يجب أن يتعاملوا معها تسلب طفولتهم منهم. ومن اللازم أن يتحملوا مشاكل مثل التشرد والضياع والفقر المكثف والأكل غير الكافي والتسول وتعاطي المخدرات وأخيرا “أفاق الآفاق المستقبلية.” وبالإضافة إلى هذا، يصور فيلم “علي زاوا” نفس الصورة القاتمة كفيلمي “عمرة يعقوبيان” و”القاهرة ٦٧٨” عن قضية الاستغلال الجسدي والجنسي. وفي نهاية الفيلم ينجح هؤلاء المشردين بمحاولاتهم، ومن المهم أن البحار ووالدة علي موجودان مع الأصدقاء في السفينة الجنائزية لأن هذا يرمز إلى عودة البراءة إلى علي مرة ثانية .وفي هذا المشهد و في أحلام الأصدقاء بمنزل حقيقي سليم أيضا، يرسل المخرج نبيل عيوش الرسالة أن سعادة الطفل تأتي من حماية البيت والوالدين وليس من حياة صعبة في الشوارع.
والآن سأتطرق إلى موقف طارق من فيلم “بيروت الغربية” وسأكشف رغبته أن يكون في الشوارع حتى وسط الحرب الأهلية اللبنانية. وفي البداية، يجب أن أنوّه هنا إلى أن المخرج زياد دويري نشأ خلال الحرب الأهلية في لبنان ولذلك فإن فيلمه الروائي الطويل يعتبر سيرة ذاتية في بعض أجزائه. وانتج الفيلم في سنة ١٩٩٨ ويصف حياة أسرة طارق (في الحقيقة أسرة دويري) من قبل الحرب حتى سنة ١٩٧٦. وواحد من الفروق الأساسية بين شخصية علي وشخصية طارق هو الطبقة الاجتماعية وفعلا يبدو أنه من النادر للوهلة الأولى أن أي ولد من الطبقة المتوسطة قد يريد أن يكون في الشارع. ولكن بفضل الحرب، عند طارق عدد من الأسباب التي تجعل الشارع جذاب له: الإنقطاع عن دراسته، والمشاكل الأسرية، والملل في البيت من الحرب.
ولكن من الأهمية بمكان أن ننظر إلى حكمة الناقد السينمائي ابراهيم العريس. وهو الذي يقول في مقالة “بيروت الغربية لزيد دوريري: الحرب اللبنانية من خارجها؟” إن الشارع يرمز إلى الحرية لكل للمراهقين، خلال الحرب وخلال السلام. ولذا فإن رغبة طارق ليست غريبة أبدا في رأي ابراهيم العريس ويقدم الشارع الإجابة لطارق عن “براءته واندفاعه وأسئلته.” ويكتشف طارق هذه الإجابة خارج بيته، حيث يتعلم سياسة الحرب في المخبز ويعرف أكثر عن الجنس في بيت أم وليد (بيت دعارة) وعن الحياة والموت في وسط مناطق القتال. ولا مبالغة في القول إن قضاء وقته في الشوارع يثير ضجة كبيرة في بيته، خصوصا مع والدته. وتصرخ في طارق و والد طارق: “اديش صار لك مش فاتح كتاب؟ ابني…ابنك داشرعالطرقات!…ما بعرف وين بتكون. ما بعرف شي!” وسياق المشهد يرتبط ارتباطا وثيقا برسالة المشهد. وتظهر غرفة نومه من طفولته كملاذ للبراءة ولكن هناك الشيء المتمرد فقط هو الملصق عنوانه “الهروب من الجحيم.” من الواضح أن والدة طارق لا تعرف على الإطلاق أن ابنها لديه خبرات جنسية مع النساء في بيت الدعارة. وفي نهاية الفيلم حتى طارق، الذي يعيش الحياة كروح حرة، يعلن إلى صديقه عمر أنه يتمنى أن يدرس في مدرستهم مرة ثانية. ويبكي عن فقر أسرته والأكل غير الكافي والعنف الذي يخرب وطنه.
يرسل المخرج زياد دويري رسالته الختامية في هذا المشهد النهائي، قائلا من خلال شخصية طارق أن حماية طفولته أفضل من حرية الشوارع والمغامرات فيها في السنوات الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية. وللآسف، يثبت مصير بعض الممثلين مثل رولا وعمر بعد إنتاج الفيلم هذه الرسالة حيث سرقت الحرب طفولة الأطفال الذين يكبرون خلال الحرب، بالاضافة إلى ذلك تعطلت حياة الجيل الجديد بشكل دائم. وعلى سبيل المثال، في مقالة “بيروت الغربية” تكتب المؤلفة ماريا غارسيا أن الممثلة رولا الأمين، “التي تلعب دور صديقة طارق، كانت ١٦ سنة عندما مثلت في الفيلم ومنذ ذلك الحين تركت المدرسة الثانوية.” واستخدم المخرج زياد دويري نفس التقنية الذكرية كنبيل عيوش في فيلم “علي زاوا” التي يستعمل أطفال الشوارع في فيلمه. وتبوح الناقدة ريم صالح في مقالة “مراجعة الفيلم: بيروت الغربية” أن “ومن المهم أيضا أن نلاحظ أن محمد شماس، الذي يلعب دور عمر، في الواقع هو طفل لشارع كان في الوقت المناسب وفي المكان المناسب، وحصل على فرصة للعب الدور الرئيسي في الفيلم. يمكنك أن ترى هذا في تمثيله المتمكن والذي ينقل بصدق الأسلوب اللغوي والسلوك لأطفال الشوارع.” ولكن مصير محمد شماس حزين ومتزعزع جدا: “يعيش وحيدا في مخيم لاجئين وقريبه الوحيد في السجن.” كنا نأمل أن حياة الممثلين في “بيروت الغربية” أحسن من حياة شخصياتهم، لكن يبدو أن عواقب الحرب هي طويلة الأمد.
والآن سأخوض في موضوع وجدة في فيلم “وجدة” في سنة ٢٠١٢. ورغبة وجدة أن تكون في الشارع راكبة الدراجة هي في مركز الحبكة ورد فعل مجتمعها الذي يسميها متمردة. ولكن وجدة ليست المتمردة فقط: تخرج المخرجة هيفاء المنصور “أول فيلم يصور كاملا في المملكة العربية السعودية.” حيث قامت شركة “ألمانية-سعودية مشتركة” (شركة الإنتاج السينمائي الألماني “رازور فيلم” نفس شركة الإنتاج كفيلم “الجنة الآن”) بانتاج الفيلم، وتشرح المخرجة أنها أعطت التعليمات لفريق التصوير من داخل حافلة على التليفون في الرياض. ولا إجحاف إذا قلنا إن حلم وجدة من حرية التنقل يتعلق بقيود المخرجة وقيادتها في الأماكن العامة. في المشهد الحاسم، يسخر عبدلله منها ويركب دراجته: “من قالك تلحقيني. أنت من جدك ودك تمسكيني؟” رد فعلها، “والله ليكون عندي سيكل ووري،” تصبح نذر لنفسها أن تحصل على دراجة.
بالرغم من أن وجدة ولدت في أسرة من الطبقة المتوسطة ولا تيعش في الحرب، فإنها تشارك مع علي وطارق بعض الأسباب لظاهرة أطفال الشوارع: المشاكل الأسرية خصوصا غياب والدها وافتراقه من وجدة وأم وجدة بعد أن تزوج زوجة ثانية. ومثل علي وطارق، يقلل إغراء الشارع من براءتها. واللافت أن بحسب يانيس هاجمان فإن الجدل حول حلم وجدة “يدخل وجدة – ومعها المشاهد- إلى صميم عالم الكبار، عالم مليء بالصراعات والتابوهات.” وبالفعل هو الحوار الساخن بين وجدة وعبد الله وسائق والدة وجدة والقضايا التي تظهر في المواصلات والنساء في الشوارع وحقوق النساء يقحمها في مرحلة البلوغ: “في هذه اللحظة يكسر الطفلين الحاجز بين عالم الطفولة البريئة ويدخلان إلى عالم الكبار، فتتحول حكاية الأطفال مرة واحدة إلى نقد اجتماعي.” ويضرب الناقد يانيس هاجمان على الوتر الحساس بالسؤال، “ولكن، من هو في الحقيقة الأضعف في هذا الهرم الاجتماعي: العامل الوافد إقبال، الذي يمكن استبداله بسائق آخر، أم المرأة السعودية التي تعتمد اعتماداً كلياً على السائق عندما تريد مغادرة البيت؟” ويبدو أن من الطريقة التي يصيغ بها يانيس هاجمان سؤاله أنه يعرف الإجابة.
واحد من الفروق المهمة بين وجدة وعلي وطارق هو بسبب جنسها وتوقعات المجتمع؛ يريد البالغين في حياة وجدة أن يحمونها لكن في الحقيقة هم يهتمون بجسدها وفائدته لزوجها المستقبلي أكثر من عقلها ونفسها بالكامل. مثلا، من الممنوع ركوب البنات السعودية الدراجة لأنها خطر على غشاء البكارة.ويعلق أحمد صلال أن الفيلم عنده “لمسة احترافية ‘نسوية’ مخضبة بالحنان،” ويدمج المشهد النهائي هذه الأشياء. وينتهي الفيلم بمشهد وجدة راكبة دراجتها في الشوارع وأعتقد أن الجدير بالذكر أن عبد الله ليس موجود. وفي الأصل أرادت أن تشتري الدراجة لإثبات المساواة بينهما، ولكن يدرك الجمهور كرامة إنسان وجدة ولذلك لا تفرض المخرجة على وجدة أن تشارك بقعة الضوء مع الرجال. وتبرهن والدة وجدة أنها سوف تتحدى الأعراف الاجتماعية لكي ترعى بنتها (ولا تضطهدها). وأخيرا تحقق وجدة التوازن المثالي بين السكن في بيت والدتها والوجود في الشارع.
فى الختام، كانت هذه الورقة تبحث في ظاهرة أطفال الشوارع والأسباب التي تجعل الشارع جذاب للأطفال غير الفقراء في السينما العريبة، وكنت أركزعلى ثلاث شخصيات، علي وطارق ووجدة من الأفلام المغربية واللبنانية والسعودية. وفي مقارنتي عن نهايات الأفلام ورسالاتها، وجدت أن كل الأفلام ترسل رسالة مشابهة عن الطفولة: يفقد الأطفال براءتهم في الشارع. ينوح طارق هذه الخسارة ويستطيع علي أن يحقق حلمه في الموت فقط. ولكن وجدة مختلفة بفضل بيتها المستقر وطبقتها الاجتماعية غير الوطيدة والسياق السلمي ولأن المشهد النهائي هو انتصار كبير لها. بالنسبة لي، فإن السينما العربية تناقش قضية شأئعة. وهذه القضية هي الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ وتلقي الضوء على الظاهرة المروعة من الأطفال المشردين، مطالبة بحل من المجتمعات المسؤولة عنهم.